أبو الليث السمرقندي
26
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الْأُمُورِ يعني : من حق الأمور . ويقال : من واجب الأمور . وصارت هذه الآية بيانا لهذه الأمة ، وإذنا لهم ، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك ، إذا كان أمره ونهيه لوجه اللّه تعالى ، لأنه قد أصاب ذلك في ذات اللّه عز وجل . ثم قال تعالى : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم : وَلا تُصَعِّرْ بالتشديد بغير ألف . وقرأ الباقون : ولا تصاعر بالألف والتخفيف . وهما لغتان ومعناهما واحد . يقال : صعر خده وصاعره ومعناهما : الإعراض على جهة الكبر . يعني : لا تعرض بوجهك عن الناس متكبّرا . وقال مقاتل : لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين ، وهكذا قال الكلبي . وقال العتبي : أصله الميل . ويقال : رجل أصعر إذا كان به داء ، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين . ويقال : معناه لا تكلم أحدا وأنت معرض عنه ، فإن ذلك من الجفاء والإذاء . ثم قال : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني : لا تمشي بالخيلاء ، والمرح والبطر والأشر كله واحد ، وهو أن يعظم نفسه في النعم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني : مختالا في مشيته ، فخورا في نعم اللّه عز وجل . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ يعني : تواضع للّه تعالى في المشي ، ولا تختل في مشيتك . ويقال : أسرع في مشيتك ، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء . وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يعني : اخفض . ومن صلة في الكلام اخفض كلامك ، ولا تكن سفيها . ثم ضرب للصوت الوضيع مثلا فقال : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعني : أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لشدة أصواتها . وإنما ذكر صوت الحمير ، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح ، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان . وإنما ضرب اللّه المثل بما هو المعروف عند الناس . قوله عز وجل : أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ يعني : قل يا محمد لأهل مكة : أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ذلل لكم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كل ذلك من اللّه تعالى . يعني : ومن قدرة اللّه ورحمته وحده لا شريك له وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فالظاهرة التي يراها الناس ، والباطنة ما غاب عن الناس . ويقال : النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب . وقال مقاتل : الظاهرة : تسوية الخلق والرزق . والباطنة : تستر عن العيون . عن ابن عباس قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن قوله : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال : « الظاهرة الإسلام ، والباطنة ما ستر سوأتك » . قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص : نِعَمَهُ بنصب العين وميم ، وضم الهاء . وقرأ الباقون : نِعَمَهُ بجزم العين ونصب